تحديات إعادة الإعمار في سوريا.. بين الفرص والإمكانات

تواجه سوريا اليوم مرحلة حرجة في مسيرة إعادة الإعمار بعد سنوات من الحرب التي ألحقت دمارًا واسعًا بالبنية التحتية والاقتصاد الوطني.
ومع انتهاء حقبة النظام السابق الذي افتقر إلى رؤية اقتصادية مستدامة، بات السوريون أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء وطنهم على أسس حديثة تحقق التنمية المستدامة وتنهض بالاقتصاد.
معضلة التمويل.. خيارات متعددة وتحديات قائمة
تتطلب عملية إعادة الإعمار استثمارات ضخمة تفوق إمكانات الدولة، ما يثير تساؤلات جوهرية حول كيفية تمويل هذه المرحلة: هل ستعتمد سوريا على المساعدات الدولية والديون، أم ستسعى إلى حلول مبتكرة؟
رغم إعلان صندوق النقد الدولي استعداده لدعم سوريا، يحذر خبراء اقتصاديون من مغبة الاعتماد المفرط على القروض الدولية، التي قد تقيد حرية القرار الاقتصادي للبلاد وتضيف أعباء مالية مستقبلية.
الثروات الوطنية.. قاعدة صلبة للانطلاق
تمتلك سوريا موارد طبيعية هائلة توفر فرصة لإعادة بناء الاقتصاد دون اللجوء إلى الديون. وتشمل هذه الموارد:
- النفط والغاز الطبيعي: احتياطيات تقدر بـ2.5 مليار برميل من النفط و8.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
- الفوسفات والمعادن: احتياطي فوسفات يقدر بـ1.7 مليار طن، و21 نوعًا من الخامات المعدنية التي تدعم صناعات حيوية.
- الأراضي الزراعية: نحو 6.5 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة تسهم في تحقيق الأمن الغذائي.
الدكتور أسامة القاضي، المستشار الاقتصادي، يرى أن تجنب الديون يتطلب اعتماد مسارين رئيسيين:
مؤتمر دولي للمانحين: شبيه بمشروع مارشال الذي ساهم في إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
تشجيع الاستثمار: من خلال صيغ تمويل مبتكرة مثل عقود الـ"بي أو تي"، التي تتيح للمستثمرين تنفيذ مشاريع تعود ملكيتها لاحقًا للحكومة.
يشدد القاضي على أن نجاح هذه المسارات يتطلب وجود حكومة تكنوقراط ورفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا لجذب الاستثمارات.
نحو هوية اقتصادية واضحة
أشار القاضي إلى أهمية تحديد هوية اقتصادية لسوريا، مقترحًا تضمين مواد خاصة بـ"الدستور الاقتصادي" في الدستور الجديد لتحديد ملامح التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات. كما شدد على ضرورة وجود فريق متخصص لإدارة الموارد بكفاءة ووضع خطط استراتيجية لتجنب الوقوع في فخ الديون.
وف سياق متصل، الباحث الاقتصادي عصام تيزيني أكد أن السوريين يمتلكون قدرات استثنائية تمكنهم من بناء اقتصادهم الوطني دون الحاجة إلى الاستدانة.
ودعا إلى تعليق القوانين الناظمة للتجارة والصناعة مؤقتًا لتشجيع النشاط الاقتصادي، مع رقابة صارمة لضمان مكافحة الغش.
يرى تيزيني أن إعادة بناء الاقتصاد تتطلب تغييرًا شاملًا في القوانين الاقتصادية، بما يعزز الدخل الفردي ويعيد مكانة الاقتصاد السوري التاريخية.
وفي الختام، رغم صعوبة الطريق، تتوفر لسوريا إمكانات وموارد تتيح تحقيق نهضة اقتصادية شاملة إذا ما وُضعت رؤية متكاملة واستُثمرت الموارد بكفاءة.
ويبقى الأمل معقودًا على حكومات قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية بنجاح وتحقيق تطلعات الشعب السوري نحو مستقبل أفضل.